ورقة تلخيصية: قانون مكافحة الجرائم الالكترونية الجديد يفاقم ظاهرة الافلات من العقاب

تونس , 16 نوفمبر 2022 – تعرب الشبكة الليبية لمناهضة التعذيب والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب عن قلقها حول بنود قانون مكافحة الجرائ…
صورة رمزية - قانون الجرائم الإلكترونية في ليبيا
صورة رمزية – قانون الجرائم الإلكترونية في ليبيا

تونس , 16 نوفمبر 2022 – تعرب الشبكة الليبية لمناهضة التعذيب والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب عن قلقها حول بنود قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية والذي سيساهم بشكل كبير في تفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب, و سيعرض المدافعين عن حقوق الإنسان في ليبيا و خارجها لمخاطر أكبر.

 ينص القانون رقم (5) لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية الصادر في 27 سبتمبر 2022 على تمكين الهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات من فرض رقابة شاملة  على كل كافة البيانات والمعلومات المنشورة على شبكة الإنترنت  وعلى جميع الأنظمة الإلكترونية والتقنية الأخرى.  يمكن القانون الهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات من إخفاء وحجب ما وصفه بالنعرات أو الأفكار التي أصبغ عليها سمة المساس بأمن المجتمع واستقراره وسلمه دون تحديد ما تعنيه عبارات نص هذا التشريع الغامضة والقابلة للتأويل تاركة تفسيرها لأعضاء الهيئة ومجلس النواب.       

إعداد مسودة قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية من دون مشاركة أو تشاور يخالف أساسيات حقوق الإنسان  

علم المواطنون الليبيون بانتشار نسخة عن مسودة القانون في أكتوبر 2021  من خلال  تسريبات فردية على مواقع التواصل الاجتماعي، و تم نشر هذه التسريبات بالصدفة من قبل المواطنين. خلال الفترة التي تم فيها العمل على تحرير نص القانون لم يقم المشرع الليبي باستشارة أي فاعلين مدنيين من ذوي العلاقة من المجتمع المدني أو من المجتمع القانوني و لم يتم إخطار عامة الناس بمشروع هذا القانون. كذلك تعاملت الحكومة الليبية بتجاهل تام لمكونات المجتمع الليبي خلال فترة اقتراح, و تمرير و المصادقة علي هذا القانون مما يشكل انتهاكا لأهم حقوق الإنسان, و تحديدا الحق في المعرفة, و الحق في الوصول للمعلومات و خصوصا الحق في المساواة بين أفراد المجتمع و معرفتهم بمشروع قانون و المبادرة بإطلاعهم و مشاركتهم في حقوقهم التي يمسها هذا القانون.   

يشكل هذا القانون وطريقة تمريره والمصادقة عليه خرقا واضحا لأهم مبادئ قانون حقوق الإنسان الدولي، حيث يقيد حقوقا أساسية كحرية الرأي والتعبير والحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات و المشار لها في بنود إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان. كما يعطي القانون للهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات الحق  بالاعتداء بموجب هذا القانون التعسفي على الخصوصية، ويسمح  للاجهزة الامنية والحكومية القمعية بالتمادي في جرائم تحدث في السياق الليبي الحالي في ظل انعدام حكم القانون وذلك بانتهاك خصوصية الأفراد والمجتمعات المستضعفة لاستخدام شبكة الإنترنت و شبكات التواصل الاجتماعي بمراقبة و جمع و مشاركة المعلومات حول انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها عناصر تتبع الدولة و مجموعات مسلحة أخرى.

تجريم التشفير الرقمي و تأثير مخاطر هذا التجريم على توثيق الانتهاكات في ليبيا

يطعن القانون رقم (5) لعام 2022  بشكل واضح في مبدأ سرية التعامل مع المعلومات التي تخص ضحايا انتهاكات القانون الدولي في ليبيا خصوصا في ظل استمرار النزاع المسلح وعدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري. حيث جرمت المادتين 9 و 39 من القانون حيازة وسائل التشفير واستعمالها معرضة بذلك ضحايا التعذيب والمعاملة السيئة والمهينة وجميع أشكال الجرائم الأخرى التي من شأنها الإضرار بالحق في  الحياة والحق في الحرية والحق في التمتع بالحماية  من خطر المراقبة والتقييد والملاحقة. في ظل غياب العدالة داخل ليبيا, يعتبر التواصل الرقمي الأمن بين ضحايا الانتهاكات و بين الموثقين و المجتمع المدني و المدافعين عن حقوق الإنسان و الاليات الدولية المعنية بمسألة توثيق انتهاكات قانون حقوق الإنسان أمرا أساسيا لا مجال للاستغناء عنه.

وكما أكد الإعلان المشترك الذي صدر في سنة 2020 حول تحديات حرية  التعبير في العقد القادم  الصادر عن  المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير فإنه يجب على الدول أن “تمتنع عن إستعمال قيود اعتباطية أو غير قانونية على استخدام تقنيات التشفير وإخفاء الهوية” فإن نص القانون رقم (5) لعام 2022 هذا يتنافى مع ما جاء في نص الإعلان  حيث يقيد نص التشريع استعمال كافة المنصات الإلكترونية ومواقع الإنترنت بفرض معايير غير واقعية على مستخدميها تتمثل في الحصول على تراخيص أو تصاريح من قبل الهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات للحصول على وسائل التشفير.

إن طبيعة نشاطات المناصرة التي يقوم بها المدافعون عن حقوق الإنسان و المجتمع المدني       والتي تتمثل في التقارير والبيانات المنشورة على الإنترنت والنشر العلني للحقائق حول الجرائم والانتهاكات عبر مواقع الإنترنت والإعلام الرقمي ووسائل التواصل الإجتماعي هي الخيار الوحيد القائم لتسليط الضوء على الجرائم المرتكبة في ليبيا، وبالتالي فإن قيام السلطات  بمراقبة محتويات وبيانات رقمية وإمكانية حجبها يعرض الحق في الدفاع عن حقوق الإنسان لمخاطر أكبر, و يسكت ألاف الضحايا ممن يستفيدون من الفضاء الرقمي لغرض المساءلة.و سيتم بلا شك إسكات وترهيب واستبعاد وملاحقة الضحايا و المدافعين عنهم ، خاصة وأن العديد من الجناة المتهمين بارتكاب هذه الجرائم ينتمون إلى الحكومة نفسها.

      إن مبدأ السرية الذي يعتمد عليه نجاح الرصد والتوثيق وبناء القضايا القانونية الذي يقوم بدوره على حماية أطراف التوثيق من ضحايا وشهود وعائلات ومحامين ونشطاء وعاملين في مجال حقوق الإنسان وقضاة وأطباء شرعيين وغيرهم أصبح غائبا معرضا بذلك كافة هؤلاء لخطر الملاحقة من قبل الجناة والتعرض للانتهاكات بصورة أكبر. وسيقفل ذلك الطريق في وجه المستضعفين وضحايا النزاع المسلح من ليبيين ومهاجرين في الوصول للعدالة.

احتمالية تأويل و تعدد تفسير نص القانون

كذلك فإن استخدام عبارات لغوية غامضة وقابلة للتأويل والتفسير يجعل من هذا القانون فضفاضا ويسمح للهيئة والحكومة التي تتبعها الهيئة بالتلاعب بتفسير القانون بما يتماشى مع نواياها ويعطي الحق لهذه الهيئات في تجريم الأشخاص وفقا لمعاييرها ورغباتها مما يمكن الحكومة والهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات من تجريم الأشخاص بطريقة تعسفية ويعرض مستخدمي المنصات الرقمية بكافة أشكالها للاستهداف خصوصا الضحايا و المدافعين عن حقوق الإنسان و العاملين بالمنظمات.

  • تنص المادة الرابعة من القانون على أن يكون “استخدام شبكة المعلومات الدولية ووسائل التقنية الحديثة مشروعة ما لم يترتب عليه مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة”.
  • تسمح   المادة السابعة بتمكين الهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات من “حجب كل ما ينشر النعرات أو الأفكار التي من شأنها زعزعة أمن المجتمع واستقراره والمساس بسلمه الاجتماعي” دون تحديد واضح لمعنى “أمن المجتمع” و”سلمه الاجتماعي”.
  • تفرض المادة الثامنة على نفس الهيئة حجب المواقع أو الصفحات الإلكترونية التي تعرض مواد “مخلة بالآداب العامة”.

 ترك المشرع تفسير معنى مصطلحات غير معرفة  مثل “النظام العام” أو”الآداب العامة” و”أمن المجتمع” و” سلمه الاجتماعي” للهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات والتي يمكن أن تفسر كل ما يتعارض مع أفكار أعضاءها و ما يتعارض مع فكر و أهداف الحكومة التي فوضتها على أنه جريمة فاتحا بذلك المجال لممارسة التقييد والتقويض والمضايقة والخنق والملاحقة على كل مواطن أو مواطنة بموجب قانون.

إن ما يمكن أن ينتج عن تطبيق هذا التشريع هو العودة لممارسات حكومية دكتاتورية قمعية وتعسفية تخالف المعايير الدولية لحقوق الإنسان المتعلقة بتقييد حق الرأي والتعبير وحق الحماية، إذ يجب على هذه النصوص أن “تُصاغ بدقة كافية حتى يتسنى للفرد ضبط سلوكه وفقا لها” مثلما نص عليه التعليق العام رقم 34 لمجلس حقوق الإنسان حول المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه ليبيا منذ 15 ماي 1970. كما تتعارض هذه الإجراءات مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في فقرتها الثانية التي تنص أنّ “لكل إنسان الحق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها”.

استنتاجا مما سبق, فإن هذه الإجراءات التعسفية ترفع من مستوى الخطر والتهديد والاستضعاف وتزيد من حدة واحتمالية وامكانية الاستهداف الواقع على النشطاء والصحفيين والإعلاميين و المدافعين عن حقوق الإنسان في ليبيا، حيث يتعرض هؤلاء  للاعتقالات التعسفية والتهديدات والعنف الجسدي مما يجعل ليبيا بيئة يمكن التلاعب بالقانون فيها من قبل السياسيين والجماعات المسلحة التابعة للحكومة للقيام باعتقال وتعذيب وسوء معاملة هذه الفئات، و يمثل القانون رقم (5) لعام 2022 أداة تعسفية جديدة لتمكين الجناة من منع هؤلاء من القيام بواجبهم الإنساني والمتمثل في مناصرة الضحايا وفضح الانتهاكات والجرائم والتي تقوم بها الميليشيات والجماعات المسلحة التابعة للدولة. يجعل هذا القانون الوصول للمعلومات مستحيلا ويشكل حاجزا واضحا لكشف الأدلة والوثائق الأساسية المهمة لإحكام قبضة القانون، مسببا زيادة الإفلات من العقاب وسامحا بارتكاب عدد أكبر من الانتهاكات. 

التوصيات:

توصي كل من  الشبكة الليبية لمناهضة التعذيب و المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب بالتالي:

  1. تدعو كافة الجهات المعنية والحكومية وعلى رأسها مجلس النواب لمراجعة بنود هذا القانون وإعادة صياغته بما يضمن حماية حقوق المواطنين الليبيين من حق حرية التعبير وحق التمتع بالخصوصية ومبدأ التحرر من الخوف, و حق الدفاع عن حقوق الانسان, تماشيا مع المعايير الدولية. يجب أن يضمن القانون سرية التعاملات الرقمية و خصوصية الاستخدام خصوصا في ليبيا حيث يتعرض الكثيرون لانتهاكات لا يمكنهم التبليغ عنها إلا من خلال التقنيات المشفرة بسبب انعدام الأمن و غياب اللجوء للعدالة داخل البلاد.
  2. يجب أن تنزع من الهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات أية صلاحيات تعطيها الحق في حجب معلومات أو تعطي تراخيص وتصاريح للتشفير الرقمي بشتى أشكالها إلى أي جهات.
  3. توصي الشبكة الليبية المقررين الخواص المعنيين بكافة الحقوق والآليات الدولية المعنية بمراقبة الوضع الانساني في ليبيا ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والآليات الدولية التعاهدية المعنية بمراقبة التزام ليبيا بتعزيز احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والحريات وعلى رأسها حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات بمطالبة الحكومات الليبية والسلطات الليبية بالتراجع عن إنفاذ هذا القانون وتوفير السبل الاستشارية الأخرى وربما تقديم مقترح أفضل بحيث يضمن القانون الحماية الرقمية الرشيدة للمواطنين والضحايا والمجتمع المدني والصحفيين والناشطين وعامة الناس، و يسمح بالاستخدام الآمن للتشفير بصورة مطلقة وغير مراقبة.

النشرة البريدية

سجل في قائمتنا البريدية ليصلك أخر المستجدات


رصد الجرائم الليبية

 هي منظمة حقوقية مستقلة غير حكومية وغير ربحية تأسست في عام 2019، مسجلة في المملكة المتحدة، وتعمل على الأرض في كافة أنحاء ليبيا من خلال شبكة من الراصدين، وتختص بشكل أساسي في مراقبة ورصد وتوثيق الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان ضد المدنيين في ليبيا، وتهدف لنشر ثقافة حقوق الإنسان والعمل على محاسبة الجناة والحد من ظاهرة الإفلات من العقاب.

تابعنا


© رصد الجرائم الليبية.

العودة إلى الأعلى