تقرير: المحاكمات العسكرية للمدنيين في شرق ليبيا

منذ إحكام “القيادة العامة للقوات المسلحة” سيطرتها على مدن شرق ليبيا عام 2018، استأنفت عمل المحكمة العسكرية لمحاكمة المتهمين المعتقلين في مقار الاحتجاز لديها، و من بينهم مئات المدنيين المعارضين، مستغلةً قانون “مكافحة الإرهاب” لتوجيه تهم فضفاضة تتعلق بالإرهاب و أمن الدولة والأمن القومي وإلصاقها بالمخالفين، للتمهيد لتحويلهم إلى محاكمات عسكرية صورية تفتقر الى أبسط شروط تحقيق العدالة للمتهمين.

تبعية المحكمة العسكرية:
المحكمة العسكرية العليا في بنغازي تم تعديل اختصاصها وفقا للقانون رقم 4 لسنة 2017 الصادر من مجلس النواب الليبي، و تتبع “الهيئة العامة للقضاء العسكري” والتي تتبع بدورها “القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية”، و يترأسها “اللواء سليم محمد الفرجاني”.

الوصف القانوني للمحاكمات العسكرية للمدنيين:
يعد محاكمة المدنيين عسكريا مخالفا للأعراف الدولية التي وقعت عليها دولة ليبيا سابقًا، وفقا للمادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن الناس جميعا سواء أمام القضاء، ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، وأن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون.

و ورد في المادة (26) من (26) في الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وليبيا تعتبر إحدى الدول الموقعة عليه، أنه “يتعين على الدول الأطراف في هذا الميثاق ضمان استقلال المحاكم”. وقد أوضحت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب هذه الحقوق في مبادئها وأدلتها الإرشادية المتعلقة بكفالة الحق في المحاكمة العادلة، حيث قالت اللجنة: “يجب أن يقتصر الغرض الوحيد من المحاكم العسكرية على المخالفات عسكرية الطابع تماماً والتي يرتكبها عسكريون. ويجب ألا يكون للمحاكم العسكرية في أي ظرف من الظروف أي اختصاص على المدنيين”.

و تعتبر المحكمة العسكرية محكمة استثنائية مخالفة للمادة (32) من الاعلان الدستوري التي تحضر إنشاء محاكم استثنائية، و مخالفة للمادة رقم (1) من القانون رقم (11) لسنة 2013 بشأن تعديل قانون العقوبات العسكرية الليبي، كما يعد التعديل رقم (4) لسنة 2017 الذي أجراه مجلس النواب الليبي والذي يجيز محاكمة المدنيين عسكريا تعديلا غير دستوريا مطعون فيه لدى الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا.

أعداد المدنيين الذين يحاكمون عسكريا:
لا تتوفر معلومات علنية حول عدد المدنيين الماثلين أمام القضاء العسكري، فجميع المحاكمات سرية وغير معلنة، ولا يسمح بحضور أسر المتهمين أو المنظمات الحقوقية فضلا عن الإعلام.

في 28 أغسطس 2018 أعلنت “القيادة العامة” إصدار أحكام على 14 متهم، وان “المحكمة العسكرية الدائمة” بمدينة بنغازي حكمت غيابيًا بالإعدام لثلاثة متهمين، والمؤبد لمتهم واحد، والسجن لفترات مختلفة للبقية، دون أن تذكر أسماءهم والقضايا المتهمين فيها أو أي تفاصيل أخرى.

وبحسب معلوماتنا بلغ عدد المدنيين الذين صدرت في حقهم أحكام خلال العام 2019، 15 مدني، منهم 11 حكم عليهم بالإعدام، والبقية أحكام بالسجن لفترات طويلة. 


كما نشرت “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا” تقرير بتاريخ 22 مايو 2020 ذكرت فيه أن 17 مدني تمت محاكمتهم أمام المحاكم العسكرية في شرق ليبيا، حكم على 13 منهم بالإعدام من قبل المحكمة العليا ببنغازي، وأربعة آخرين من محكمة البيضاء.

من بين أولئك المدنيين الذين صدرت في حقهم أحكام من المحكمة العسكرية، الصحفي “اسماعيل بوزريبة الزوي” الذي اختطف في ديسمبر 2018 من قبل الأمن الداخلي في اجدابيا، وتم اخفاؤه قسريا ولم يعرض على النيابة طيلة 20 شهرا من سجنه في سجن عسكري ببنغازي، ومن ثم حكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما، بتهمة تعاونه مع احدى القنوات التلفزيونية المعارضة للسلطات في شرق ليبيا.

وايضا قضية الناشطة “هند عبدالعزيز محمد النعاس” 41 سنة، التي تم اعتقالها تعسفيا من مدينة درنة في 13 فبراير 2020، وتم احالتها الى النيابة العسكرية درنة ومن ثم أحيلت بعد عشرة أيام الى سجن عسكري في بنغازي، دون أن تتحصل على أي نوع من الضمانات القانونية ولم يتم السماح للعائلة أو محامي الدفاع مقابلتها لمتابعة سير القضية وأسباب الاعتقال.

إخفاء قسري واعترافات تحت التعذيب:
فضلا عن كون المحاكمات العسكرية للمدنيين غير قانونية من الأساس بحكم القانون الدولي، وأغلب القضايا جاءت دون أي أدلة مادية تثبت قيام المتهمين بالجرائم المنسوبة إليهم، وأن تلك القضايا بنيت فقط على تحريات ووشايات وشهادات الأجهزة الأمنية، بل أحيانا على منشورات التواصل الاجتماعي، إلا أن طبيعة المحاكمات العسكرية للمعارضين في شرق ليبيا ترتبط بجملة من الانتهاكات في مختلف مقار الاحتجاز، من أبرزها تعريض المعتقلين للإخفاء القسري والتعذيب، حيث أفاد معتقلون سابقون عن تعرضهم للضرب، التعذيب النفسي، الصعق بالصدمات الكهربائية، التهديد بالقتل، و الإدلاء باعترافات تحت التعذيب.


انتهاكات ضد المحامين:
يتعرض محامي الدفاع عن المدنيين الذين يحاكمون عسكريا للتهديد والمضايقات التي تصل الى الاحتجاز من قبل ضباط في المحكمة العسكرية منهم رئيس المحكمة ” سليم الفرجاني”، الذي قام في احدى الجلسات باحتجاز محامي لعدة ساعات بسبب خلاف معه داخل قاعة المحكمة.

كما اعتقل المحامي “عدنان العرفي” في شهر مارس عام 2020 لمدة 15 يوماً، و تم إحالته إلى النيابة العسكرية بنغازي، وتوجيه اتهام له بناء على شكوى من “سليم الفرجاني” وقد تمسك المحامي العرفي بالحصانة الممنوحة له، وكذلك بانه مدني ومثوله أمام القضاء العسكري غير مختص، ورفض الإدلاء بأقواله، وقدم تم توقيفه للتحقيق عدة مرات.

وفي 7 مارس 2020 تعرض المحامي “سراج احمد الفيتوري” للتهديد والمنع من دخول المحاكمة العسكرية والحجز من قبل مجموعة عسكرية بتوجيهات من رئيس المحكمة “سليم الفرجاني”.

مطالبات:
تطالب منظمة رصد الجرائم الليبية بضرورة إيقاف إحالة المدنيين للمحاكمات العسكرية مهما كانت التهم، كما تنادي بمحاكمة المدنيين أمام دوائر مختصة نزيهة مع ضمان سير إجراءات عادلة ومنصفة للتقاضي.

وتدعو المنظمة السلطات التشريعية بتنقيح وتعديل قوانين العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب بما يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الدولة الليبية، وتعديل اختصاص المحاكم العسكرية بإلغاء اختصاصها على المدنيين.

كما نطالب “القيادة العامة” بنقل المتهمين المدنيين الى السجون المدنية، وعدم اعتقالهم في السجون العسكرية ومقار الاحتجاز السرية.

ونطالب من الحكومة الليبية الموقتة ومؤسسات سيادة القانون والقضاء ومكتب النائب العام ووزارة العدل بالتدخل لإيقاف تنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية ضد المتهمين المدنيين نهائيا.

تحميل التقرير pdf:
تقرير-المحاكمات-العسكرية-للمدنيين-في-شرق-ليبيا

المدير